تاريخ الإضافة:2 جمادى الآخرة 1430هـ الزيارات:32020 زيارة

بسم الله الرحمن الرحيم

وهو حسبي ونعم الوكيل

الحمدُ لله رافع راية أهل الحديث، فكانوا أعزَّةً ظاهرين, قامع أهل البدع فلا زالوا أذلةً صاغرين، والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا مزيدًا إلى يوم الدين.

أما بعد:

فقد أرشدني بعض إخواني الفضلاء إلى كلام للأخ (أحمد بن فارس السَّلوم) ‑وفقه الله لكل خير‑ في تحقيقه لـ(معرفة علوم الحديث) للحافظ الكبير أبي عبدالله الحاكم (ت405) -رحمه الله تعالى- أساء فيه القولَ على الإمام العلامة المحدث المجدد أبِي عَبْدِالرَّحْمَنِ مُقْبِلِ بنِ هَادِي الوَادِعِيِّ ‑رحمه الله تعالى‑، ففتحَ المولَى سبحانه وتعالى؛ فجاء هذا الرَّدُّ المختصرُ راجيًا من الله عز وجل أن يتقبله بقبولٍ حسن، وينفعني به،وصاحِبِي!، والمسلمينَ آمين.

لا تَخفَى مكانَةُ أهلِ الحديثِ على طالبِ علمٍ، فقد جاء في «الصَّحيحينِ» من حديثِ معاويةَ ‑رضي الله عنه‑ قال رسول الله ‑صلى الله عليه وعلى آله وسلم‑: «لا تزالُ طائفةٌ من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ،أو خالفهم؛ حتَّى يأتِيَ أمرُ اللهِ، وهم ظاهرين على الناس».

قال الإمامُ الحافظُ النَّاقدُ العلاَّمَةُ شيخُ المحدثينَ أبو عبدِالله الحاكمُ ‑رحمه الله تعالى‑: (سمعت أبا عبدالله محمد بن علي بن عبدالحميد الأدمي ‑بـمكة‑ يقول: سمعت موسى بن هارون يقول: سمعت أحمد بن حنبل ‑رحمه الله تعالى‑ وسئل عن معنى هذا الحديث قال: «إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحابَ الحديث, فلا أدري مَنْ هُم؟!».

قال الحاكم: وفي مثل هذا قيل: مَنْ أمَّرَ السُّنَّةَ على نفسه قولاً وعملاً نَطَقَ بالحكمةِ.

فلقد أحسنَ أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر: أنَّ الطائفة المنصورة التي يُدفَع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة، هم أصحاب الحديث!.

ومن أحق بـهذا التأويل من قومٍ سلكوا محجَّة الصالحين، واتَّبعوا آثار السَّلف من الماضين، ودَمَغَوْا أهل البدع والمخالفين، بسُنن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله أجمعين، من قومٍ آثروا قطع المفاوز والقِفَار، على التنعم في الدَّمِنِ والأوطار، وتنعَّموا بالبؤس في الأسفار!، مع مساكنة العلم والأخبار، وقنعوا عند جمع الأحاديث والآثار، بوجود الكِسَرِ والأطمار، قد رفضوا الإلحاد الذي تَتَوْقُ إليه النفوس الشهوانية، وتوابع ذلك من البدع والأهواء، والمقاييس والآراء، والزيغ، جعلوا المساجد بيوتـهم، وأسَاطِيْنَهَا تُكَاهم، وبَوارِيهَا فُرُشَهم.

حدثنا أبوالحسن علي [بن محمد] بن عقبة الشيباني بالكوفة، قال: حدثنا محمد ابن الحسين بن أبي الحُنَين، قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: سمعت أبي، وقيل له: ألا تنظر إلى أصحاب الحديث، وما هم فيه؟ قال: هم خير أهل الدنيا).

وحدثني أبوبكر محمد بن جعفر المُزَكِّي، قال: حدثنا أبوبكر محمد بن إسحاق، قال: سمعت علي بن خشرم، يقول: سمعت أبابكر بن عيَّاش يقول: (إني لأرجو أن يكون أصحاب الحديث خير الناس، يُقِيْمُ أحدهم بِبَابِي, وقد كتب عني, فلو شاء أن يرجع, ويقول: حدثني أبوبكر بجميع حديثه فعل, إلاَّ أنَّهم لا يكذبون).

قال الحاكم: ولقد صدقا جميعًا, إن أصحاب الحديث خيرُ الناس, وكيف لا يكونون كذلك, وقد نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم, جعلوا غذاءهم الكتابة, وسمرهم  المعارضة, واسترواحهم المذاكرة, وخَلُوقَهُم المداد, ونومهم السهاد, واصطلاءهم الضياء, وتَوَسُّدَهم الحصى, فالشدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء, ووجود الرخاء مع فقد ما طلبوه عندهم بؤس, فعقولهم بلَذَاذَةِ السُّنَّة غامِرَة, وقلوبـهم بالرضاء في الأحول عامرة, تَعلُّم السنن سرورهم, ومجالس العلم حُبورهم, فصار أهل السُّنَّة قاطبة إخوانـهم, وأهل البدع بأسرهم أعداءهم.

سمعت أباالحسين محمد بن أحمد الحنظلي ببغداد, يقول: سمعت أباإسماعيل محمد ابن إسماعيل الترمذي، يقول: كنت أنا وأحمد بن الحسن عند أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل, فقال له أحمد بن الحسن: يا أبا عبدالله ذكروا عند ابن أبي قتيلة بمكة أصحابَ الحديث، فقال: أصحاب الحديث قوم سوء!، فقام أو عبدالله ‑وهو يَنْفُضُ ثوبه‑ فقال: (زنديق زنديق زنديق) ودخل بيته.

سمعت أباعلي الحسين بن علي الحافظ يقول: سمعت جعفر بن محمد بن سنان الواسطي يقول: (ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يُبْغِضُ أهل الحديث، وإذا ابتدع الرجل نُزِعَ حلاوة الحديث من قلبه).

سمعت أبا نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارى يقول: سمعت أبانصر بن سلام الفقيه يقول: (ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد، ولا أبغض إليهم من سماع الحديث، وروايته بإسناده).

قال الحاكم: وعلى هذا عهدنا في أسفارنا وأوطاننا كلَّ من يُنسب إلى نوع من الإلحاد والبدع، لا ينظر إلى الطائفة المنصورة، إلا بعين الحقارة، ويُسمِّيها الحَشْوية) انتهى المراد نقله من مقدمة كتاب «معرفة علوم الحديث».

وإنما نقلته لجودته، وبديع سبكه، واختصاره جملة مناقب أهل الحديث، وموقف أهل البدع منهم في كل زمان ومكان، ثم هو مما حقق نصه المعترض على شيخنا أبي عبدالرحمن مقبل بن هادي الوادعي ‑رحمه الله تعالى‑.

وليس بخافٍ رفيع منْزلة الشيخ العلمية، وأنه أحد كبار أعلام أهل الحديث في هذا الزمان، الذَّابين عن السُّنَّة، القامعين للبدعة، المحتسبين للعلم والتعليم، وله مواقف في ذلك مشهورة، وأيادٍ بيضاء مشكورة ‑غفر الله له ورحمه‑.

نعم، هو ليس بنبيٍ ولا رسول!، كلا والله!، بل هو بشر يخطئ ويصيب، ويعلمُ ويجهل، ونقده -بحقٍّ- واجبُ القبول، وصاحبه مأجورٌ ‑إن شاء الله‑ ومشكور، لكنَّ الشأنَ أن يكون النقد بحقٍّ، وهذا مَالَم يكن!!.

وبين يديك جوابٌ مختصرٌ مفيدٌ عَمَّا سوّده (أحـمد السَّلَّوم) في مقدِّمته تلك، فيه النصيحةُ والبيان، عسى أن تجد آذانًا صاغية، وقلوبًا واعية، والله الموفق والمستعان.

*     *   *

قوله: (لئن تصدّى الشيخ لذلك –يعني ترجمة رجال الحاكم-، فقد أساء في أمور: أَوَّلُها: أن الكتاب جُهْدُ جماعةٍ، وقد كُتِبَ بأقلامهم، ولم يشر إلى ذلك على طُرَّة الكتاب، بل كَتَبَ عليه: لأبي عبدالرحمن مقبل بن هادي الوادعي!) انتهى.

أقول: اعلم أَنَّ هذا المُصَنَّف النافع من حسنات الشيخ ‑رحمه الله تعالى‑، قَرَّبَ به ما كان الوقوف عليه عَسِرًا من رجال الحاكم ‑رحمه الله تعالى‑، لا سيَّمَا مع ما يطرأ على الأسماء من  التصحيف والتحريف، وما كان يَسلكه الحاكم ‑رحمة الله عليه‑ أحيانًا من عدم سلوك الجادة في ذكر أسماء الرجال، فتراه يَنسبُ الرجل إلى نِسَبٍ غير معروفة، ممّا يجعل في ذلك عِمَايةً على الباحث، ولقد سمعت شيخنا ‑رحمة الله عليه‑ أكثرَ من مرَّة يقول: أنا في بحثي مع الحاكم كأنني أنا وأياه نتسابق، يُورد عليَّ الرجل ‑مُعِّميًا‑، فأدْأَبُ حتى أعرفه، أو كما قال.

ومن ذلك أن ينسبه إلى جَدٍّ أعلى، فيحتاج إلى تتبع هذا الإسناد في «المستدرك» في مواطن أخر، لعلَّه يذكره بما هو أوضح.

فانبرى الشيخ ‑رحمه الله تعالى‑ لتحقيق هذه الغاية النبيلة، تقريبًا لطلاب الحديث وعلمائه، فجاء كتابه ماتعًا نافعًا،  فريدًا في بابه، لم يُسْبق ‑فيما علمت‑ إليه.

وكم عَانَى ‑رحمه الله‑ في هذا الكتاب من التَّعَبِ والمشقَّة في تحقيق اسم الراوي، وضبطه، ثم البحث عن ترجمته، وربما يبقى أيَّامًا ثم يُبَيِّضُ له، أو يقول: لم أقف له على ترجمة، أو لم تطمئن النفسُ إلى أنه فلانٌ([1][1])، أو نحو ذلك!.

وكان من عَادَتِهِ الحَمِيْدَة ‑رحمه الله تعالى‑ تدريسَ «مستدرك الحاكم»،  فربَّما جاء هذا الطالب بفائدة، وهذا بأخرى، فيأمره  الشيخ ‑رحمه الله‑ أن يكتبها، ويكتبَ اسمه تحتها أداءً للأمانة، بـخلاف كثير من العصريين!!.

إذا فهمتَ هذا فهمًا جيدًا، فصاحب هذه المناقب العالية، والأخلاق النبيلة، ِمنْ حقِّه علينا أن يقدر ويشكر، أم يقال: (أساء)، ويُغْمَزُ في (أمانته العلمية)؟‍‍‍.

أُرِيْدُ حَيَاتَهُ وَيُرِيْدُ مَوْتِي      مَعَاذَ اللهِ مِنْ جَهْلٍ وَطَيش!

فاتق الله يا (أحمد السلوم)، فَصِدْقُ المحدث رأس ماله، والغمز في أهل الحديث من علامة أهل البدع!!، غفر الله لك.

قوله: (ثانياً –يعني من الأمور التي أساء فيها الشيخ –رحمه الله-: أنه لم يستوفِ جوانب الترجمة من حيث الجرح والتعديل, وهو المقصود الأسمى من كتب التراجم) انتهى. ‍‍‍‍‍

أقول: معلومٌ عند طلاب حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن رجال الحاكم (ت 405), والدارقطني (ت 385), وأبي نعيم (ت430), والبيهقي (ت485), والخطيب (ت463), وابن عبدالبر (ت463), وغيرهم ممن هم بعد رأس سنة ثلاث مائة, وهو الحدُّ الفاصلُ بين المتقدِّم والمتأخر في باب الرواة, كما حرَّره الحافظ الذهبي ‑رحمه الله تعالى‑ في مقدِّمة «الميزان».

معلومٌ أن التوسُّع في تراجم المتأخرين عَسِرٌ جداً لأمورٍ ثلاثة:

الأول: قلَّةُ التوسعِ في الكلام فيهم جرحاً وتعديلاً, بخلاف المتقدمين.

الثاني: وجود التساهل والتجوز عن الشروط التي اعتبرت في المتقدمين فيهم, واقرأ تحقيقاً لهذا الأمر في «علوم الحديث» ‑المعروف في زماننا وأزمانٍ قبلنا غَلَطاً بـ«المقدمة»‑ للحافظ ابن الصلاح ‑رحمه الله تعالى‑, النوع الثالث والعشرون, المسألة الرابعة عشر, وقد نبَّه شيخنا ‑رحمه الله تعالى‑ على هذا الأمر في مقدِّمة «رجال الحاك‍‌‍‌‍‌‍م».

الثالث: قِلَّةُ المصادر الموجودة ‑عندنا‑ اليوم في ذلك, كـ«كتاب تاريخ نيسابور», أو «مختصره», وغيرها.

فصار الاعتماد في معرفة تراجمهم, وأحوالهم على «تاريخ بغداد» للخطيب, و«تاريخ واسط» لِبَحْشَل, و«تاريخ جرجان» للسهمي, و«قزوين» للرافعي القزويني, و«مكة» للفاسي, و«أخبار أصبهان» لأبي نعيم, و«تاريخ دمشق» لابن عساكر, وأضرابـها, وكتبِ السؤالات, كـ«سؤالات السجزي للحاكم», و«سؤلات الحاكم للدارقطني», و«سؤالات السلمي للدارقطني», وأضرابـها, وكـ«المعرفة والتاريخ» للفسوي, و«الكنى» للدولابي, و«الأسامي والكنى» للحاكم الكبير, و«الإكمال» لابن ماكولا, و«تكملته» لابن نقطة, و«تكمِلَةِ تكْمِلَةِ ابن نقطة» المسماة بـ «تكْمِلَةُ إكمالِ الإكمال» لابن الصابوني, و«توضيح المشتبه» لابن ناصر الدين الدمشقي, و«تبصير المنتبه» للحافظ ابن حجر, وكتبِ الطبقات, كـ«طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها» لأبي الشيخ, و«طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى, و«طبقات الشافعية» للسبكي, وأضرابـها, وكتبِ الوَفَيَاتِ, كـ«الوافي بالوَفَيَات» للصفدي, و«وفيات الأعيان» لابن خِلِّكان, ويدخل تحته «تاريخ الإسلام» للذهبي, و«البداية والنهاية» لابن كثير, وأضرابـها, وكتبِ المناقب, كـ «سير أعلام النبلاء» للذهبي, وغيرها من المصادر.

وقد ذكر شيخنا ‑رحمه الله‑ جُمْلَةً طَيِّبَةً من ذلك في مقدِّمة «رجال الحاكم»؛ فراجعه –إن شئت-.

إذا فهمتَ هذه الأمور الثلاثة فَهْمَاً جيِّداً, فإذا أوقفك كتاب الشيخ على شيءٍ من ذلك, فقد أحسنَ غايَةَ الإحسان, وجزاه الله خيراً أن فتح لك الطريق في مثل هذه المسالك الصعبةِ, و«لا يشكر الله من لا يشكر الناس»!!.

وإن كان لديك نقولاتٌ ضافيةٌ جرحاً وتعديلاً على تراجم الكتاب, فخرِّجْها ‑عاجلاًُ غير آجلٍ‑ في «ذَيْلٍ» ينفع الله تعالى به, وما إِخَالُكَ كذلك!!.

ثم يُقالُ: إن الشيخ ‑رحمه الله‑ لم يَشترط الاستيعاب, بل مراده ‑لا غيْرُ‑ فتحَ الباب, ﴿فهل من مُدِّكر﴾؟!.

وبيَّن ‑رحمه الله‑ في مقدِّمته أنه قد لا يقف ‑بعد جَهْدٍ‑ على ترجمةٍ للراوي!, فضلاً عن جمع المادَّةِ فيه جرحاً وتعديلاً, فالله المستعان!!.

قوله: (الثالث: يعني من الأمور التي أساء فيها الشيخ ‑رحمه الله‑: قال في ديباجة الكتاب: قد يذكر الحافظ الذهبي بعض المحدثين الصوفية, ويثني عليهم, ويصفهم بأوصاف ضخمة, فأنقل كلامه غير مقتنعٍ به).

فالحافظ الذهبي ‑رحمه الله‑ يُطْلِقُ العبارات الضخمةَ على المبتدعة, وإليك مثالاً على ذلك: في »السير« يثني على الجاحظ, وهو عمرو بن بحر, فيقول: العلامة المتبحر ذو الفنون..« انتهى

فأين ‑يرحمك الله‑ هذا الثناء المزعوم, والتبجيل المنتقد؟! وفي اعتقاد ذلك إساءة ظنِّ بالإمام الذهبي ‑رحمه الله‑, إذ ليس في وصف الرجل أنه علامة أو متبحر, أو صاحب فنون تزكية له, ولذلك نلحظ في تراجم الذهبي للمبتدعةِ, عبارات بديعة, مثل قوله: كان ذكياً ولم يكن زكياً, ولو نزَّلَ الشيخ الوادعي كلام الذهبي منْزلَهُ الحقيقي, وعرف مدلولات ألفاظه, لما اتـهمه بمدح المتصوفة والمبتدعة, والعجيب أنَّ طائفةً أخرى تكلمت في الذهبي لغلظته على الصوفية, وجعلوا من قاعدتِهم في الجرح والتعديل ألاَّ يقبل قوله فيهم, فقد ضاع الشيخ بين هاتين الطائفتين, ووقف بين الباب والدار, وهو معتمده ومعتمد كل من جاء بعده في الجرح والتعديل, والله المستعان على ما يصفون« انتهى كلام أحمد السلوم!!.

وكلامه هذا عليه عدة ملاحظ:

الْمَلْحَظُ الأول: قوله: »وفي اعتقاد ذلك إساءة ظن بالإمام الذهبي ‑رحمه الله‑« انتهى.

اعلم إن شيخنا ‑رحمه الله تعالى‑ من أكثر المثنين على الحافظ أبي عبدالله الذهبي ‑رحمه الله تعالى‑, ومن المُسْتجِيدين لتحقيقاتِهِ, المنتصرين لأقواله في جملة من المسائل, وكان كثيراً ما يصفه بـ»مؤرخ الإسلام« وغيره ذلك..

فقولك: »إساءة ظن بالإمام الذهبي« كلمة كبيرة, ولازم باطل, وقد حقق المحققون أن لازم القول ليس بقول!, كيف وقد جعلته »اعتقاداً«؟!!.

الْمَلْحَظُ الثاني: قولك: »إساءة ظن« هو عند المحاققة »إساءة ظن«!!.

الْمَلْحَظُ الثالث: لا يعدو كلام شيخنا ‑رحمه الله تعالى‑ أن يكون نقداً صاحبه معتقدٌ فضلَ من ينقده, مدرك لسعة ذكاءه وفهمه, مغترف من بحر علمه!.

وليس النقد –بذاته‑ عيباً, إلا إذا قارنته أمورٌ أخرى!.

وكثيراً ما يقرر الحافظ أبو عبد الله الذهبي ‑رحمه الله تعالى‑  أن كلاًّ يؤخذ من قوله ويترك, إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, مع التأدب في الخطاب ‑في موضعه‑، وحسن الاعتذار لأهله, وترك الغلو الإجحاف!.

فنقد شيخنا ‑رحمه الله تعالى‑ موضع مباحثة علمية, تقبل التخطئة والتصويب؛ ولذا فإني ناقل كلامه بحروفه؛ لأنَّ في اختصار »أحمد السلوم« له نوع إخلال بفائدته!.

قال في مقدمة »رجال الحاكم« (ج1ص14-15):

»تنبيه«: قد يذكر الحافظ الذهبي ‑رحمه الله‑ بعض المحدثين الصوفية, ويثني عليهم, ويصفهم بأوصاف ضخمة, فأنقل كلامه كما هو غير مقتنع به, فإن التصوف مبتدع, ولقد أحسن الإمام الشافعي إذ يقول: لو أن رجلاً تصوف في أول النهار لما جاء آخره إلا وهو أبله, أو بِهذا المعنى, ذكره ابن الجوزي في مقدمة »صفة الصفوة».

وقال مروان بن محمد الطاطري: »ثلاثة لا يؤتمنون: الصوفي, والقصاص, ومبتدع يرد على المبتدعة« ذكره عنه القاضي عياض في »ترتيب المدارك« في ترجمة مروان بن محمد.

فالحافظ الذهبي ‑رحمه الله‑ يطلق العبارات الضخمة على المبتدعة, وإليك مثالاً على ذلك, قال في » السير« (ج11ص526) يثني على الجاحظ, وهو عمرو بن بحر, فيقول: »العلامة المتبحر ذو الفنون«!.

 وفي »لسان الميزان« للحافظ ابن حجر ما يدل على كفره, فمثل هذا ما يعظم ولا كرامة, وهكذا الصوفية المبتدعة, لا يستحقون التعظيم, وإن كانوا بين مستقل في البدع ومستكثر« انتهى.

إذا قرأت كلام الشيخ ‑رحمه الله‑ وتأملته, رأيته نقداً نزيهاً ليس فيه طعن, ولا «إساءة ظن«‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍, فضلاً عن »اعتقاد ذلك«!.

وانظر ‑الآن‑ كَلامَ (أحمد السلوم) ‑معترضا‑ بعد كلام الشيخ على الجاحظ, قائلاً: »فأين يرحمك الله هذا الثناء المزعوم, والتبجيل؟ وفي اعتقاد ذلك إساءة ظن بالإمام الذهبي؛ إذ ليس في وصف الرجل أنه علامة, أو متبحر, أو صاحب فنون تزكية له« انتهى!!.

‍‍‌لا زلت متعجباً من هذا الاستفهام الإنكاري (‍‍‍‍‍‍‍!!), عن وجود الثناء المذكور, ولا يقف عاق منصف على مثل هذا الكلام, إلا ويجزم أنه مكابرة مكشوفة, وعناد فاضح!!.

فقول الذهبي ‑رحمه الله تعالى‑: »العلامة« أليس بثناء وتبجيل؟.

وقوله ‑رحمه الله تعالى‑: »المتبحر« أليس بثناء وتبجيل؟.

وقوله ‑رحمه الله تعالى‑: »ذو الفنون« أليس بثناء وتبجيل؟.

وإن لم تكن هذه الكلمات من التبجيل والثناء, فليُدَرسْ (أحمد السلوم) العلماء وطلاب العلم معنى التبجيل والثناء, ويذكر لهم أمثلةً لذلك عسى أن يفهموها؟‍.

فإن قلت: إنما أردت أنه ليس بتعديل!.

قيل: بيان المراد لا يدفع الإيراد ‑هذا أولاً‑, ومراد المتكلم يعرف بسياق كلامه, كما حرره ابن القيم في »أعلام الموقعين«, وسياق كلامك في الثناء والتبجيل‑هذا ثانياً‑.

ثم نقول: وهل ادعى الشيخ ‑رحمه الله تعالى‑ أن الذهبي ‑رحمه الله تعالى‑ عَدَّلَهم ﴿فما لكم كيف تحكمون﴾‍؟.

مِنْ أَيَّةِ الطُّرْقِ يَأَتِي مِثْلَكَ الكَرَمُ؟!        أَيْنَ المَحَاجِمُ يَا كَافُورُ والجَلَمُ؟.

وإن الوقت لشحيح أن يضيع في شرح مثل هذا؟ ولكن!‍.

الْمَلْحَظُ الرابع: ما ذكره شيخنا ‑رحمه الله‑ في نقده البناء, موجود لا يدفعه منصفٌ عن ترجمة الجاحظ الضال المبتدع, والحافظ الذهبي ‑رحمه الله تعالى ‑ نفسه‑ قد  ذكره في »ميزان الاعتدال في نقد الرجال«, ‑وهو كاسمه‑ فقال: صاحب التصانيف, روى عنه أبوبكر بن أبي داود فيما قيل, قال ثعلب: ليس بثقة ولا مأمون.

قال الذهبي: قلت: وكان من أئمة البدع« انتهى.

فتأمل كيف أعطاه قدره لما وضعه في كفة »ميزان الاعتدال«, وإذا به لا يساوي ذكره؛ لولا ‑ما قيل‑ من  روايته..‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

واقرأ ما كتبه الحافظ ابن حجر ‑رحمه الله تعالى‑ في »لسان الميزان«, فإن فيه كما قال شيخنا ‑رحمه الله تعالى‑ ما يدل على كفره!.

وما مثله –والله‑ والحال ما وصفتُ أن يذكر في »أعلام النبلاء«!.

نعم, قد يذكره مسامحة لخصلة شهر بها, وإن كان من أهل البدع, لكن الثناء والألقاب الضخمة مما ينبغي تركه.

ومن هذا: أن شيخ الإسلام ابن تيمية ‑رحمه الله تعالى‑, ذكر الجاحظ مرة, فقال: »وابن قتيبة خطيب أهل السُّنَّة كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة«.

فذكره بـ»خطيب« ثم بين أنه في الباطل, وليس في ذلك حرج, بخلاف تتويجه بالألقاب الضخمة.

ولذا تجد في كلام السلف من التنفير عن المبتدعة, وتحقيرهم, حتى لا يغتر جاهل –بِهم‑ بكلامهم؛ فيضل, شيئاً كثيراً.

ف‍‍‍‍‍‍‍‍هذا إمام أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل, يقول عن الكرابيسي, الحسين بن علي: »مبتدع«, ويسئل عنه, فيقول: »لا أعرفه بحديث ولا غيره«!!, مع أنه معروف بشيء من العلم!!.

وهذا تلميذه أبو داود تكلَّم في رجل, فقيل له: يقال: إنه فاضل, فقال: »ما أعرفه بفضل!!«.

وإنَّمَا قَصَدَ هؤلاءِ الأئمَّةُ الذَّبَّ عَن السُّنَّةِ, والنُّصحَ للأُمَّةِ.

قال العلامةُ المحقِّقُ النَّقَّادُ المحدِّثُ ‑ذهبيُّ العصر‑ عبدُ الرَّحمنِ بنُ يحيَى المعلِّمِي ‑رحمه الله تعالى‑: »وبالجملةِ، فأسلافُنَا على ثلاثِ طَبَقَاتٍ:

الأولى: مَنْ وَضَحَ لنا اعتصامُه بالكتابِ، والسُّنَّة, فهؤلاءِ الذين نَتَوَلاَّهُم.

الثَّانِيَةُ: مَنْ وَضَحَ لنا تَهَاوُنُهُ بالكتابِ والسُّنَّةِ, فعلينا أنْ نتَبَرَّأَ مِنْهُم!.

الثَّالِثَةُ: قَومٌ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً، وآخَرَ سيِّئاً, عَسَى الله أن يعفوَ عنهم, ويعذُرَهُم, وعلينا أن نَحْمَدَهُم فيما أصَابُوا فيه, ونَبْرَأَ مِمَّا أخطئوا فيه, والله المستعان«. انتهى من »التنكيل« (ج2ص329), و »بلوغ الأماني من كلام المعلمي اليماني« (ص175).

قلت: وهذا نَهْجُ شَيْخِنَا ‑رحمه الله تعالى‑ الذي دَعَا إليه, فالجَاحظُ ‑مَثَلاً‑ عنده مِن الطَّبَقةِ الثَّانيةِ, معروفٌ بعدائهِ للسُّنَّةِ وأهلِهَا,  فالموقفُ مِن مثلِهِ البَرَاءُ, لا الثَّنَاءُ! بـ»العلامة المتبحر ذُو الفُنُونِ«, هذا وجْهُ النَّقْدِ؟!.

واقرأ بعضَ أوابِدِ !! الجاحظ الشَّنِيْعَةِ المُفْضِيَة بِهِ إلَى الْمُرُوقِ؛ حكاها الإمامُ ابنُ قُتَيبَةَ‑رحمه الله تعالى‑ في كتابِهِ النافِع » تأويلِ مُختلفِ الحديث« (ص56-57).

نعم, قالَ الحافظُ الذَّهبيُّ ‑رحمه الله تعالى‑ بعد ذلك »قلتُ: كانَ ماجناً قليلَ الدين, له نوادر«, ثم قال ‑مُخْتَتِماً‑: »وتلطُّخُهُ بغير بدعةٍ أمر واضح, ولكنَّه أخباريٌّ علاَّمَةٌ, صاحبُ فنونٍ, وأدبٍٍ بَاهِرٍ, وذَكَاءٍٍ بيِّنٍٍ, عفا الله عنه« انتهى.

قلتُ: هذا الخَلْطُ بينَ الْمَدْحِ والقَدْحِ في رَجُلٍ مثلِ الجاحظِ مِمَّا لا ينبغي سُلُوكُهُ ‑عندَ التَّحقيقِ‑, فإنَّه يُضْعِفُ جَرْحَهُ أوَّلاً, وقد يُغَرِّرُ الجاهلَ بِحالِهِ ثَانياً, والله يعفو ويغفر للحافظِ الكبيرِ, والنَّاقدِ البَصيرِ, أبِي عبدِالله الذَّهبيِّ ‑رحمه الله تعالى‑.

 ولعلَّ المتأمَّلَ في كَلامِهِ يرَى أنَّه جعَلَ الجاحظَ في الطَّبقةِ الثَّالثةِ, وعليه فالخلافُ خِلافُ أفهَامٍ ‑فيما أرجُو‑!,ومجالُ النَّظَرِ واسِعٌ، والله أعلم.

الْمَلْ

  عودة إلى قائمة المقالات